البيت بيتك..

أدب وفن » دوحة السرد
27 - صفر - 1441 هـ| 27 - اكتوبر - 2019


1

مشت الهوينى تجر عامها السبعين خلفها, أغلقت باب الشقة خلفها بهدوء، وهبطت الدرج ببطء لتجتاز قنطرة العمارة. وكم كان شعورها بالارتياح عظيما عندما تنسمت عبير الشارع, كانت أسوار العمارات تتلاصق، تكللها عرائش الياسمين التي تتسلل  أوراقها وزهراتها البيضاء الصغيرة من  الفراغات الزخرفية لتغطي السور بكامله، وتخفي كل ملامحه، حتى يظن الرائي لوهلة أنه سور من الياسمين وليس من الحجر والحديد. ارتسمت على وجهها ابتسامة, ومن يستطيع ألا يبتسم لرؤية الياسمين.

مدت يدها ملوحة لسيارة أجرة مرت أمامها مسرعة, ولكن السيارة لم تتوقف, هل تجاهلها السائق؟ أم أن معه راكب لم تستطع عيناها الواهنتان أن تلحظه؟ فركت عينها بظاهر كفها, وراحت تستطلع الشارع من جديد ربما ترى سيارة أجرة عابرة  فهي لن تستطيع المشي, كما أنها لم تعد تستطع الوقوف.

هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها من بيت ولدها غاضبة, وهي تقسم في سرها أنها لن تعود إليه, ولكن هذه المرة الأمر مختلف, ليس لأن سلوك زوجته قد تغير، أو لأن الأولاد كبروا وطال لسانهم. ولكن لأنها هي كبرت ولم تعد تحتمل, هي تريد أن ترتاح.

وعندما أدارت المفتاح في قفل الباب، وولجت الردهة المظلمة، شعرت براحة كبيرة, تقدمت خطوات لتصل إلى الحوش الصغير, جالت عيناها في المكان, وفجأة تملكتها رغبة  جامحة في البكاء, كفكفت دموعها يجب أن أكون قوية  هذه المرة,  وراحت تجول في أركان البيت الحبيب، فكل ركن له معزته الخاصة في نفسها.  كانت أزهار الياسمين تتناثر فوق أرض الحوش, والفلة قد اسودت الكثير من ورداتها البيضاء, أما الورد فقد كان يعج كطفل مشاغب, وردة ذابلة وأخرى في طريقها لتتفتح, وكثير منه في مرحلة الاكتمال والروعة, وهمست في نفسها حياة الإنسان مثل دورة حياة الوردة، يبدأ برعماً ثم يصبح في قمة القوة والجمال, ولكنه سرعان مايذبل, وهي تشعر اليوم إنها كوردة ذابلة.

نسيت تعبها, ورغبتها الملحة في الاستلقاء على سريرها لتخلد للنوم, وراحت تملي عينيها من المكان، وكأنها تريد أن تحتويه، وأن تسترجع كل مفردات ذكريات حياتها بين أركانه, هنا كان يوسف يحبو, ويوسف اليوم أستاذ جامعي محترم, وهنا وقعت ندى وشجت رأسها وصوت بكائها في ذلك اليوم مازالت تسمعه إلى هذه اللحظة. أولادها اليوم أشقياء مثلها,  كم تشتاق إليهم متى تأتي الإجازة الصيفية، ويملؤون عليها فراغ هذا البيت الواسع؟  وفي تلك الزاوية كان أحمد يحب أن يكتب فروضه المدرسية, مازال يحب الهدوء والعزلة, وعلى تلك الأريكة سكب سعيد حبر قلمه يوم كانت الأقلام تملئ حبراً سائلاً, إنها تسمع صوت اعتذاره لفعلته يتردد صداه في أذنها, ومازال أثر الحبر على الأريكة حتى اليوم لم تستطع رغم محاولاتها المتكررة إزالته, اليوم تراه أجمل ذكرى لشقاوة صغيرها الذي أصبح اليوم من أشهر أطباء المدينة.

وألقت بجسدها على الكرسي المتأرجح. على هذا الكرسي كان أبو يوسف يجلس كل صباح يقرأ حزبه من القرآن, وعلى هذا الكرسي كانت منيته, ذلك يوم لن تنساه.  حسبته يقرأ القرآن, ولكنه أطال على غير عادته و نادته فلم يرد! ظنت أنها إغفاءة يفيق بعدها, تركته لتعد له فنجان القهوة التي يحب أن يشربها معها أمام بركة الماء. ولكنه لم يكتب له أن يشرب تلك القهوة. ما أجمل صوته وهو يرتل القرآن, هاهو يقطع ترتيله لينادي عليها, لابد أنه أمر هام، همت بأن تهب ملبية نداءه, فما كانت تتأخر يوماً عن تلبية ندائه, ولكن عادت للقعود على الكرسي من جديد, إنه ليس هنا لقد رحل, رحل وترك شوقها له متجدداً, كم تشتاق لذلك الصوت! وتتمنى، تتمنى لو ينادي عليها مرة واحدة مرة يصبح الخيال حقيقة, ولكن ذلك لن يكون.

لقد أصبح هذا المكان الذي كان كل حياتها، لغز عمرها الكبير, فهي لا تستطيع الحياة فيه، كما أنها الحياة صعبة بعيداً عنه, عندما تكون هنا في البيت تشعر أن كل ركن فيه يحكي لها ألف قصة،  وكل ركن من أركانه يهمس لها بتاريخ هي خير من يذكره, كل بقعة في البيت تتحدث ويعلو الضجيج فيمنعها من النوم, ويمنعها من السكون، فالذكريات تلح عليها, والحنين يجلدها بسياطه التي  لا ترحم, هي تدرك أن الماضي لن يعود, ولكنها لم تستطع أن تجد لنفسها مكانا في الحاضر.

فهي لا تجد لها مكاناً بديلاً لمكانها هذا, في بيت كل ولد من أولادها, تشعر أنها في  سجن, لأنها لا مكان لها فيه, هو بيتهم هم, بفرشه وطرازه ونظامه, وهي مجرد شخص عابر يسايره الجميع، يداريه لأنه كما يقولون ضيف، والضيف آلا يعلمون أن الضيف  لا يمكن أن يكون صاحباً للمكان, وهي تريد أن تعيش في مكان هو لها, حتى الصغار إذا حاولا أن يتعاملوا معها بحريتهم زجرتهم نظرات الأب وجلدتهم عبارات الأم القاسية:

ـ عيب يا ولد جدتك؟

 وهناك في بيت أولادها عليها أن تنام في موعدهم، وتستيقظ في موعدهم أيضاً!!  كيف لا، فهي تشاركهم غرف النوم, فلا يوجد غرفة خاصة بها, ولماذا يكون لها غرفة خاصة؟ وهي لا تسكن معهم, بل تنتقل من بيت ولد إلى بيت ولد آخر, قالوا لها: البيت بيتك وغرفه كلها تحت تصرفك, ولكن هي تريد أن يكون لها مكان خاص بها تستقبل فيه ضيوفها, تنام فيه في الوقت الذي تريد وتصحو في الوقت الذي تحب فيه أشياءها وذكريات حياتها, فهي تستمد طاقتها في الحياة من أريج تلك الذكريات.

 نهضت بتثاقل فتحت الأدراج درجاً بعد آخر، هي لا تبحث عن شيء, ولكنها كانت تريد أن تلقى السلام على تلك الأشياء الصغيرة التي تقتنيها, كمن يسلم على صديق قديم, هذه بطاقة كتبها لها يوسف عندما كان في الروضة, وتلك ميدالية حصل عليها أحمد في مسابقة الجري. أصدقاء قدامى شاركوها رحلة حياتها بكل تفاصيلها الرائعة.

 

رن جرس الهاتف. لابد أنهم اكتشفوا غيابها, لم تكن لديها رغبة في الكلام مع أي فرد منهم, لماذا لا يتركوها تعيش بسلام  حتى يقضى الله أجلها, ألح الجرس بالرنين, وأمعنت هي بالرفض.

أراحت جسدها على السرير الخشبي العتيق، شعرت بالحنين وهي تسمع صريره, شعرت كأنه يحييها, طالما حاول أبو يوسف إصلاحه ولكن دون جدوى, لقد تعودت الآن على صوته صار بينهما ألفة وصداقة, وصار صريره كأغنية ما قبل النوم, ولكن أين هو ذلك النوم, مع كل هذا الضجيج الذي حولها؟ فكل شيء هنا يتحدث, الجدران السرير الكرسي والطاولة.

أين أنت يا أبا يوسف.

-  حقا إن المرأة لا تشعر بقيمة زوجها إلى بعد فقده, لقد صارت بدونه مثل طائر بجناح واحدة كيف له أن يطير؟

عاد الهاتف ليرن من جديد, لابد أنهم قلقون عليها, إنهم يقلقون فقط عندما تغيب, ولكنها عندما تكون موجودة أمامهم لا يأبهون لوجودها, حياتهم جري متواصل, وبيتهم صندوق مغلق,  ليس لها فيه مكان خاص، وأركانه بكماء لا تحكي بشيء. هم يريدونها جزءا من حياتهم  تلك,  كيف نسوا أنها هي من جاء بهم إلى هذه الحياة,  فكيف لها أن تدور في فلكهم, وقد كانت هي من تصنع ذلك الفلك,  وشعرت كأن الأرض تدور بها, تعالى ضجيج المكان من حولها, كل جزء من البيت يحكي قصة, ويروي تاريخاً تداخل الكلام وعلا لغط الأشياء, شعرت أن المكان بدأ يدور يعرض مشاهد لحوادث شهدتها, تمنت أن تعود, ها هي تعود الآن تعود كلها دفعة واحدة, تمر على خيالها دفعة واحدة (يا الهي يكاد رأسي ينفجر...).

فتحت عينيها, كان ابنها يقف فوق رأسها وزوجته تقف بجانبه, كفكفا دمعة تصنعا ابتسامة, وهما يقولان معا: الحمد لله على السلامة

- أين أنا؟

- في المستشفى وسنخرج الآن إلى البيت.

- أريد أن أذهب إلى بيتي.

- كل البيوت بيتك!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...